الآلوسي

153

تفسير الآلوسي

والأكثرون على أنها أيضاً يرفع بها الدرجات وتكتب الحسنات وهو الصحيح المعول عليه ، فقد صح في غير ما طريق " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة . وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ، وروي عن ابن مسعود - الوجع لا يكتب به أجر لكن يكفر به الخطايا - واعتمد على الأحاديث التي فيها التكفير فقط ولم تبلغه الأحاديث الصحيحة المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات ، بقي الكلام في أنها هل تكفر الكبائر أم لا ؟ ، وظاهر الأحاديث - ومنها خبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه - أنها تكفرها ، وقد جاء في خبر حسن عن عائشة أن العبد ليخرج بذلك من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء " إلى غير ذلك . ولا يخفى أن إبقاء ذلك على ظاهره مما يأباه كلامهم ، وخص بعضهم الجزاء بالآجل ، ومن بالمشركين وأهل الكتاب ، وروي ذلك عن الحسن والضحاك وابن زيد قالوا : وهذا كقوله تعالى : * ( وهل نجازي إلا الكفور ) * ( سبأ : 17 ) ، وقيل : المراد من السوء هنا الشرك ، وأخرجه ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير ، وكلا القولين خلاف الظاهر ، وفي الآية ردّ على المرجئة القائلين : لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة . * ( وَلاَ يَجدْ لَهُ من دُون اللَّه ) * أي مجاوزاً لولاية الله تعالى ونصرته * ( وَليَّاً ) * يلي أمره ويحامي عنه ويدفع ما ينزل به من عقوبة الله تعالى * ( وَلاَ نَصيراً ) * ينصره وينجيه من عذاب الله تعالى إذا حل به ، ولا مستند في الآية لمن منع العفو عن العاصي إذ العموم فيها مخصص بالتائب إجماعاً ، وبعد فتح باب التخصيص لا مانع من أن نخصصه أيضاً بمن يتفضل الله تعالى بالعفو عنه على ما دلت عليه الأدلة الأخر . . * ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) * . * ( وَمَن يَعْمَلْ منَ ) * الأعمال * ( الصَّالحَات ) * أي بعضها أو شيئاً منها لأن أحداً لا يمكنه عمل كل الصالحات وكم من مكلف لا حج عليه ولا زكاة ولا جهاد ، فمن تبعيضية ، وقيل : هي زائدة . واختاره الطبرسي وهو ضعيف ، وتخصيص الصالحات بالفرائض كما روي عن ابن عباس خلاف الظاهر ، وقوله سبحانه : * ( من ذَكَر أَوْ أُنثَى ) * في موضع الحال من ضمير * ( يعمل ) * و * ( من ) * بيانية . وجوز أن يكون حالاً من * ( الصالحات ) * و * ( من ) * ابتدائية أي : كائنة من ذكر الخ ، واعترض بأنه ليس بسديد من جهة المعنى ، ومع هذا الأظهر تقدير كائناً لا كائنة لأنه حال من شيئاً منها وكون المعنى - الصالحات الصادرة من الذكر والأنثى - لا يجدي نفعاً لما في ذلك من الركاكة ولعل تبيين العامل بالذكر والأنثى لتوبيخ المشركين في إهلاكهم إناثهم ، وجعلهن محرومات من الميراث ، وقوله تعالى : * ( وَهوَ مُؤْمنٌ ) * حال أيضاً ، وفي اشتراط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب الذي تضمنه ما يأتي تنبيه على أنه لا اعتداد به دونه ، وفيه دفع توهم أن العمل الصالح ينفع الكافر حيث قرن بذكر العمل السوء المضر للمؤمن والكافر ، والتذكير لتغليب الذكر على الأنثى كما قيل ، وقد مر لك قريباً ما ينفعك فتذكر . * ( فَأُوْلَئِكَ ) * إشارة إلى من بعنوان اتصافه بالعمل الصالح والإيمان ، والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد السابق باعتبار لفظها ، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة . * ( يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ) * جزاء عملهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر * ( يدخلون ) * مبنياً للمفعول من الإدخال